في نشوء الوعي الشبابي العراقي

في نشوء الوعي الشبابي العراقي

موفق الرفاعي

لا شك ان الشعارات التي رفعت في التظاهرات التي انطلقت منذ 25 شباط 2011 وحتى اليوم قد منحت المحلل السياسي للأوضاع في العراق متناً واسعا حين يشرع في تقصي بدايات نشوء الوعي الشبابي المستقل والمتحرر من اية دوافع ايديولوجية سياسية حزبية.

معلوم ان الشعب العراقي لا يمتلك ثقافة الاحتجاجات كما هو حال كثير من الشعوب العربية بل هو لا يمتلك حتى ثقافة للتظاهر. فقد مرت عليه عقود طويلة كان يساق فيها الى التظاهرات التأييدية او الاستنكارية قسرا من دون مشاركة منه لا في وضع الهتافات ولا في صياغة الشعارات. فهو حين يؤمر بالتظاهر يجد كل شيء امامه جاهزا.. الشعارات، الهتافات، وحتى السيارات التي ستقلهم الى ساحات التظاهر المعدة سلفا ووفق ارادة منظمات السلطة.

وحتى التظاهرات التي كانت تنطلق في فترة الحراك السياسي في اوائل واواسط القرن المنصرم كان من يدعو اليها احزاب ومنظمات حزبية متصارعة انذاك تقتصر مشاركته فيها على رفع الشعارات الجاهزة وترديد الهتافات وراء منظميها دون بصيرة او وعي.

لاول مرة في العراق نجد ما يمكن ان نطلق عليها التظاهرات الفردية او تظاهرات المجموعات الصغيرة التي تجمعها اهداف مشتركة بعيدة تماما عن الادلجة.

هذه المجموعات المتباينة في التوجهات ويجمعها هدف مشترك تنسق عبر الشبكات الاجتماعية وتتفق على الشعارات التي سترفع والهتافات التي ستردد لتجسد هذا الجهد الذي يستمر لايام او اسابيع في تجمع في مكان متفق عليه.

لقد حاول المسؤولون الحكوميون اسباغ اتهامات تصور التظاهرات على انها مسيسة لمصلحة جهات واطراف (معادية) لكنهم فشلوا في ذلك حين تبين انها ترفع شعارات يغلب عليها الطابع المطلبي البسيط النابع من معانات الناس اليومية.

من هذا بدا واضحا تخلف ذهنية السلطة وعدم استيعابها لظروف المرحلة الشبابية الجديدة وبالتالي عجزها عن فهم ما يجري عجزا بائنا.

لم يستطيعوا تصور او تصديق ان تظاهرات حاشدة مثل التي جرت يوم 25 شباط ليس وراءها جهات (معادية) لانهم جميعا جاؤوا من رحم احزاب ترفع شعارات وتتبنى اهداف اضحت متخلفة عن العصر ويسيطر عليها هاجس التآمر والتآمر المضاد.

ولقد حاولت فعلا قوى ان تحول مجريات تلك التظاهرات لتصب في مصلحتها الا انها فشلت فشلا ذريعا وقد راينا هذا في كيفية تعامل المتظاهرين الشباب مع نواب في البرلمان يمثلون كتلهم وتياراتهم جاؤوا للمشاركة حسب زعمهم. فقد باؤوا بسخرية وغضب المتظاهرين وتعرضوا للاهانة والطرد.

لقد حاولت السلطة إجهاض حركة الشباب تارة باستحصال الفتوى من رجال الدين وتارة برفع فزاعة الارهاب والبعث والقاعدة وثالثة من خلال استغفال منظمات مدنية ومهنية قدمتهم او قدموا انفسهم (يا لبؤسهم) على انهم عامل تهدئة ووسيطا (تنضيميا) بينها وبين الشباب لكنها فشلت في كل هذا ولم (تنجح) سوى في القمع باستخدام القوة.

فلم يعبأ الشباب بالفتاوى التي صدرت ولم تخيفهم فزاعة القاعدة والبعث والقاعدة بل زادتهم اصرارا. اما المنظمات المدنية والمهنية التي كان عليها الانحياز الى ارادة الشباب ورضيت لنفسها ان تكون مجرد وسيط فسرعان ما تبين لها ان السلطة وضعتها في دائرة الحرج بل ربما كانت تعمدت ذلك من اجل كشف خورها وانتهازيتها.

واذا لم يحقق الشباب حتى الان مطالبهم فانهم نجحوا في كسر حواجز الرتابة والملل في المجتمع العراقي وجعلوا السلطة تتخبط على ايقاع هتافاتهم التلقائية وكشفوا عن زيف ادعاءات الاحزاب والتيارات السياسية التي طالما اتخذت من الديموقراطية واجهة تمارس من ورائها احط انواع الديكتاتورية في ادارة الحكم والتضييق على الحريات المدنية والشخصية. وفضحوا باصرارهم كل القيادات الدينية التي لم تقف مع انتفاضتهم وكانت طيلة السنوات الماضية تتبنى -تقيةً- مطالب الناس وهي في حقيقتها انما تحاول امتصاص تململ وغضب العراقيين واطالة صبرهم او تتحايل على ارادتهم والانحراف بها لتصب في مجرى الاحزاب والتيارات السياسية المذهبية.

حتما سيستفيد الشباب من هذه التجربة القصيرة في الاحتجاج والتظاهر في بناء تيار سيقف مستقبلا امام اي تحرك سلطوي يحاول الالتفاف على مطالبهم وسيرفض من الان اي وصاية عليه يحاول فرضها رجال الدين الذين يحاولون الان العودة مرة ثانية عبر اعتذارت خجولة وملتبسة.. ولكن هيهات!!.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s